نوّارة… حكاية من زمن شتّه .

 الجزء الأول: القافلة والعاصفة " قصة من الواقع الحقيقي في ذلك الزمن " . 

تُروى هذه الحكاية كما توارثتها الألسن، عن أيام مرّت على أهل الصحراء قبل نحو تسعين عامًا، حين كانت الأرض تُقاس بالصبر لا بالمسافة، وكان القحط يمتحن الناس كما تمتحن النار الذهب.

عشر سنوات متتالية مرّت على تلك الديار بلا قطرة مطر، حتى سُمّيت تلك الحقبة في ذاكرة الناس بـ”سنة شتّه”، كتوقيت تاريخي وذلك بما فعلته بهم من تشتيت وتفريق. جفّت الآبار التي كانت تروي المزارع الصغيرة، وهلكت الأنعام واحدة تلو الأخرى من الجوع والعطش، وسرت الأمراض بين البشر والحيوان معًا، حتى بات البقاء في تلك الأرض أشبه بالمستحيل. وحين وصلت الأخبار أن هناك، في شمال تلك الصحراء وجنوبها، أرضًا خضراء ومياهًا لا تنضب، بدأ الناس يفكرون بالرحيل، كلٌّ إلى الجهة التي تحمل له بصيص أمل.

كان “أبو نوّارة” واحدًا من هؤلاء. عائلته كبيرة ممتدة: والداه العجوزان، ووالدا زوجته “أم نوّارة” وهما أيضًا طاعنان في السن. فكّر مليًا، ثم عزم على الرحيل شمالًا. أحضر عشر ركائب من الإبل، وربطها قافلة واحدة، بعضها خلف بعض، تحمل بين أحمالها ما تبقى من زاد وماء وأثاث بسيط. أركب والديه ووالدي زوجته على الجمال الأكثر هدوءًا في مقدمة القافلة، وجعل “أم نوّارة” تركب آخر جمل، وفي خرج الراحلة “نوّارة” التي لم تتجاوز الرابعة من عمرها.

عند الفجر، تحركت القافلة. اعتلى أبو نوّارة ظهر الجمل الأول، وأخذ يحدو بصوته الشجي، ذلك الحداء الذي تتفاعل معه الإبل فتسير بثبات وانسجام. قطعت القافلة خلال ذلك النهار نحو اثني عشر ميلًا، وكان أبو نوّارة قد نوى أن يتوقف عند الغروب ليستريح الجميع ويتعشّوا ويبيتوا حتى صباح اليوم التالي.

لكن قبل الغروب بساعة ونصف، شعر أبو نوّارة بشيء يقترب. لاحظ تغيرًا في ملامح الأفق لا يخطئه من عاش عمره بين الرمال، فالتفت إلى زوجته وسألها: “وش رأيك بالأفق قدّامنا؟ تلاحظين شي؟”

فأجابته وهي مطمئنة: “دع عنك الشكوك والأحاسيس المخادعة، الأمور بخير يا أبو نوّارة، واصل بس.”

سألها: “ليش تسألين عن سبب سؤالي؟”

فردّت: “قلت لعلك متردد.”

قال: “لو فيه شي فعلًا، بوقّف القافلة وأُبرك " اجلسها " الإبل وأعقلها. الإبل تحسّ بالظواهر قبل ما يحسّ بها الإنسان، وهذه الراحلة لا تتردد بدون سبب.”

ومع ذلك، واصل السير، وهو يشعر في داخله أن شيئًا ما يقترب لا محالة. ولم تمضِ دقائق معدودة حتى انفجر الأفق بعاصفة غبار هائلة، ريحها سريعة عاتية، أحاطت بالقافلة من كل جانب. ارتبكت الإبل وبدأت تحاول الفرار، وأخذ أبو نوّارة يصيح بها ليطمئنها ويثبّتها، لكن الريح كانت أعتى من صوته، والغبار كثيف حتى عجز راكب الجمل عن رؤية رأس جمله من فرط الظلام والعصف.

وهناك، في قلب تلك العاصفة، وقعت الفاجعة. انقطع الحبل الذي يربط جمل “أم نوّارة” ببقية القافلة، فهرب الجمل مذعورًا، وأم نوّارة على ظهره، ونوّارة في “الخرج” المعلّق على جانبه، ذلك الوعاء من الصوف الذي يوضع فيه الأطفال والأغراض. حاولت أم نوّارة أن تتشبث بظهر الجمل الهائج، لكنها سقطت أرضًا وسط العتمة والريح، فيما بقيت نوّارة معلّقة في الخرج، تصرخ بأعلى صوتها الصغير: “ماما… لا تتركيني!”

لكن الجمل، وقد استبد به الرعب، تابع فراره غربًا، نحو المكان الذي وُلد وتربّى فيه، فمن طبيعة الإبل أنها في أوقات الظواهر الجوية العنيفة، كالعواصف والبروق، ينتابها حنين غريزي يشدّها إلى مسقط رأسها، ولهذا كان أهل الإبل على الدوام أشد ما يكونون حرصًا على ركائبهم في مثل هذه الأوقات.

بقيت نوّارة على جانب ذلك الجمل الهارب أكثر من يومين، تنام وتصحو وهي معلّقة في الخرج "هو مايوضع على جوانب الراحلة وهو من الصوف ووبر الابل " ، لا تدري إلى أين يمضي بها الطريق. ومن حسن حظها أن بجانبها قربة ماء وشيئًا من التمر، فكانت تقتات عليه كلما جاعت.

أما أم نوّارة، فقد ظلّت في مكانها في حالة يرثى لها، لا تدري ماذا حدث لابنتها، ولا أين اختفت القافلة، والريح لا تزال تعصف من حولها. مرّت أكثر من اثنتي عشرة ساعة، حتى انقشع الغبار في منتصف الليل، وسكنت الريح أخيرًا. جلست وحيدة، تفكر فيما يمكن أن تفعله، فلم تجد أمامها سوى أن تبقى في مكانها، على أمل ضئيل أن تمرّ بها قافلة تُقلّها.

وفي الجهة الأخرى، كان أبو نوّارة قد تمكن، بشق الأنفس، من تثبيت الجمال التي عليها والداه ووالدا زوجته. أجلسها على الأرض، وأنزل عنها الماء والطحين والتمر، ثم امتطى راحلته الخاصة واتجه غربًا، فهو يعرف أن الجمل الذي كانت تركبه أم نوّارة قد اشتراه من رجل يقطن غرب تلك الديار، وأن غريزة الجمل ستقوده لا محالة إلى هناك.

سار أبو نوّارة في ظلام الليل، وعلى كل تلّة يعتليها كان يرفع صوته بالنداء عسى أن يجيبه أحد. وبعد قرابة عشرة أميال، وجد أم نوّارة منهارة على الرمال تبكي بحرقة. أسرع إليها، أسقاها من القربة، ثم سألها عن راحلتها. فأجابته وهي تلهث: “أسقطتني… وهربت بنوّارة." 

عندها انهار قلب أبو نوّارة، وذرفت عيناه دمعًا كتمه بصعوبة أمام زوجته حتى لا ينهار أمامها. قال لها بصوت يحاول أن يبدو ثابتًا: “لا بأس عليك، سنجد نوّارة إن شاء الله، اطمئني بس.” وفي داخله، كان قلبه يتمزق.

حمل زوجته على ظهر راحلته، واتجه بها نحو الوالدين المسنّين، فوصل إليهم مع خيوط الفجر الأولى. قال لها: “هيا الان، خذي راحة عند والديك ووالديّ، وأنا سأذهب أدوّر على نوّارة.” كان يعرف في قرارة نفسه أن راحلة نوّارة ستقوده حتمًا إلى مسقط رأسها، بل إنه يعرف حتى الرجل الذي باعه إياها.

وهكذا امتطى جمله من جديد، وترك خلفه القافلة المنهكة والقلوب المعلّقة، ليبدأ فصلًا آخر من هذه الحكاية، لا يقل قسوة عن سابقه: رحلة البحث عن نوّارة…

Comments

Popular posts from this blog

Zanzbaa: The Waterskin That Turned Into a Terrifying Little Creature

The Laugh of the Snow-White Goat — Part Two (Final)

The Laugh of the Snow-White Goat — Part One