الرسالة الاخيرة
كانت سارة تعمل حتى وقت متأخر في مكتبة البلدة القديمة، تلك التي بُنيت قبل أكثر من ثمانين عاماً، والتي أوكلوا لها مهمة فهرسة أرشيفها قبل إغلاقه للترميم. لم تكن تتوقع أن تجد شيئاً مثيراً بين الرفوف المتربة، حتى وقعت عيناها على مغلف أصفر قديم، مخبأ خلف كتاب سميك عن تاريخ المدينة.
المغلف لم يكن يحمل اسم مرسل، فقط عبارة مكتوبة بخط يد مرتجف:-لمن يجد هذا... الوقت يداهمني.
فتحته بحذر. بداخله رسالة واحدة، مؤرخة قبل واحد وثلاثين عاماً بالضبط، بتوقيع رجل يُدعى "توفيق العابد". اسم لم تسمع به من قبل، لكنها الآن ستتمنى لو لم تسمع به أبداً.
كتب توفيق أنه أمين المكتبة السابق، وأنه اكتشف شيئاً في السجلات القديمة لا ينبغي لأحد أن يعرفه: أن حريق عام 1962 الذي التهم الجناح الشرقي من المبنى، والذي قيل إنه حادث كهربائي، لم يكن كذلك على الإطلاق. كان توفيق قد وجد وثائق تثبت أن الحريق أُشعل عمداً لإخفاء اختلاس ضخم من صندوق البلدية، اختلاس تورط فيه ثلاثة من أعيان المدينة آنذاك.
"حين اكتشفت الأمر، بدأت أتلقى تهديدات"، كتب توفيق. "رسائل بلا توقيع، ومكالمات صامتة في منتصف الليل. أعرف أنهم سيصلون إليّ قريباً. أخبئ هذه الرسالة هنا لأن هذا المكان هو آخر مكان سيفكرون بتفتيشه بعد أن أحرقوا نصفه. إذا كنت تقرأ هذا، فأرجوك... اذهب إلى القبو، الرف الثالث من اليسار، خلف اللوح الخشبي المتحرك. الأدلة كلها هناك.
توقفت سارة عن القراءة، وقلبها يدق بقوة. توفيق العابد — تتذكر الآن أنها رأت الاسم في سجل موظفي المكتبة القديم، مكتوباً بجانبه تاريخ توقف واحد: نهاية عام 1994. لم يكن هناك أي ذكر لاستقالته أو تقاعده. فقط توقف الاسم عن الظهور، كأن الرجل تبخّر من الوجود.
نظرت إلى ساعتها. كانت العاشرة مساءً، والمكتبة فارغة تماماً سواها والحارس العجوز الذي ينام غالباً في غرفته الصغيرة عند المدخل. فكرت في الانتظار حتى الصباح، لكن فضولها كان أقوى. أمسكت مصباحها اليدوي ونزلت درج القبو الحجري المتهالك.
كانت رائحة الرطوبة والورق العتيق تملأ المكان. مرت بين الرفوف المتربة، تعد بأصابعها حتى وصلت إلى الرف الثالث من اليسار. دفعت اللوح الخشبي في الخلف، فتزحزح بصعوبة، كاشفاً عن فجوة صغيرة في الجدار.
بداخلها، وجدت صندوقاً معدنياً صغيراً مغطى بالصدأ. فتحته بيدين مرتجفتين. لم تكن هناك وثائق كما توقعت، بل مجموعة من الصور الفوتوغرافية القديمة، وشريط تسجيل صوتي صغير، وقصاصة جريدة مطوية بعناية.
فتحت القصاصة أولاً. كانت من صحيفة محلية، تعود لبداية عام 1995، وعنوانها: ختفاء أمين المكتبة توفيق العابد يثير قلق الأهالي. الخبر مختصر جداً، يذكر أن الرجل غادر منزله ذات مساء ولم يعد، وأن التحقيقات لم تسفر عن أي أثر له.
تناولت الصور. كانت تظهر ثلاثة رجال في اجتماع رسمي، يبدو أنه في مبنى البلدية القديم. عرفت أحدهم فوراً - كان الوجه معلقاً في لوحة كبيرة عند مدخل المبنى البلدي الحالي، تكريماً لأحد أبرز رواد المدينة الراحلين .
سمعت صوت خطوات بطيئة تقترب من أعلى الدرج.
جمدت في مكانها. الحارس العجوز لا يتحرك بهذه الطريقة الحذرة، ولا في هذا الوقت من الليل. أطفأت مصباحها بسرعة، ودست الصندوق في حقيبتها، وتوارت خلف أحد الرفوف الكبيرة.
توقفت الخطوات عند مدخل القبو. سمعت صوت رجل يتحدث بهدوء، كأنه يتحدث عبر الهاتف: "نعم، أنا متأكد. أحد ما فعّل جهاز الإنذار القديم في القسم السفلي قبل قليل. لم يُستخدم منذ سنوات... لا، سأتحقق بنفسي."
اقترب الصوت، وأضاء شعاع مصباح قوي بين الرفوف. حبست سارة أنفاسها، وشعرت بعرق بارد يتصبب على جبينها. تذكرت فجأة أن اللوح الخشبي الذي حركته لا يزال مفتوحاً، يكشف الفجوة الفارغة خلف الرف.
مرّت خطوات الرجل بجانبها على بعد أمتار قليلة فقط. توقف عند الرف الثالث. سمعت صوت تنهيدة طويلة، ثم صوته يتمتم لنفسه بكلمات بالكاد فهمتها:- بعد كل هذه السنوات... ما زال أحد يبحث.
عاد الصوت يتلاشى مع الخطوات المبتعدة، صاعداً الدرج، حتى ساد الصمت التام.
بقيت سارة مختبئة لدقائق طويلة قبل أن تجرؤ على الخروج. لم تعد إلى مكتبها في الطابق العلوي؛ بدلاً من ذلك، خرجت من الباب الخلفي للمكتبة، وسارت بسرعة نحو سيارتها، والصندوق المعدني يثقل حقيبتها كأنه يزن طناً.
في الليلة التالية، لم تذهب إلى المكتبة. جلست في شقتها، تستمع إلى الشريط الصوتي القديم على جهاز تسجيل استعارته من صديق. كان صوت توفيق العابد، يسجل شهادته بنفسه، يذكر أسماء، وتواريخ، وأرقام حسابات بنكية.
في آخر الشريط، سمعت صوته يرتجف قليلاً وهو يقول:-إذا كنت تستمع إلى هذا، فاعلم أنني ربما لن أكون هنا لأخبرك بالباقي. لكن تذكر: الحقيقة لا تحترق، حتى لو أحرقوا كل شيء حولها.
أطفأت سارة المسجل، ونظرت من نافذة شقتها إلى أضواء المدينة المتناثرة، وتساءلت: من كان ذلك الرجل الذي نزل إلى القبو الليلة الماضية؟ وكيف عرف بتفعيل جهاز إنذار لم يعد أحد يعرف بوجوده؟
وضعت الصندوق في درج مكتبها، وقررت أنها ستذهب في الصباح إلى المحامي الوحيد في المدينة الذي لا تربطه صلة بأي من العائلات النافذة.
لكنها، قبل أن تنام، تذكرت شيئاً أثار قشعريرة في جسدها بأكمله: لم تخبر أحداً، لا حتى الحارس العجوز، أنها نزلت إلى القبو الليلة الماضية.
فكيف عرف ذلك الرجل أنها كانت هناك؟
Comments
Post a Comment